الشيخ السبحاني

103

رسائل ومقالات

ولما طلع نجم أحمد بن حنبل بعد المحنة الّتي تعرّض لها في مسألة خلق القرآن ، وصار إماماً لأهل الحديث ، حدّهم تحت أُصول خاصة استخرجها حسب استنباطه من الكتاب والسنّة وجعل الجميع كتلة واحدة بعد ما كانوا على سُبل شتّى ، وهذه الأُصول هي الّتي حرّرها أحمد بن حنبل في كتاب السنّة « 1 » ، وبعده الإمام الأشعري في كتاب « مقالات الإسلاميين » . « 2 » ويظهر ممّا نقله ابن أبي يعلى ( المتوفّى : 526 ه ) في طبقاته أنّ أكثر أهل الحديث قبل تصدّر أحمد بن حنبل للرئاسة كان عثمانيّ الهوى ، إذ هو الّذي قال بالتربيع وجعل علياً رابع الخلفاء ، فقد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد عن وديزة الحمصي : قال : دخلت على أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ، حين أظهر التربيع بعلي رضي اللَّه عنه ، فقلت له : يا أبا عبد اللَّه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير . فقال : بئسما قلت ، وما نحن وحرب القوم وذِكْرها . فقلت : أصلحك اللَّه إنّما ذكرناها حين ربّعتَ بعلي ، وأوجبت له الخلافة ، وما يجب للأئمّة قبله . فقال لي : وما يمنعني من ذلك ؟ قال : قلت : حديث ابن عمر . فقال لي : عمر خير من ابنه . قد رضي علياً للخلافة على المسلمين ، وأدخله في الشورى ، وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين ، فأقول أنا : ليس للمؤمنين أمير ؟ فانصرفتُ عنه . « 3 » وعلى ما ذكر صار علي رابع الخلفاء رتبة وفضيلة . « 4 » نعم كان أهل الحديث الكوفيون يقدمون علياً على عثمان ، بل يقدّمونه في الفضل على أبي بكر وعمر « 5 » ، غير أنّ عظمة الإمام أحمد قد غلبت على سائر الآراء

--> ( 1 ) . كتاب السنة : 44 - 50 . ( 2 ) . مقالات الإسلاميين : 320 - 325 . ( 3 ) . طبقات الحنابلة : 1 / 393 . ( 4 ) . مقالات الإسلاميين : 294 . ( 5 ) . البداية والنهاية لابن كثير : 8 / 11 .